ويسمي بجبل الشيخ كناية إلى الرأس المكلل بالثلج، كما يكلل الشيب رأس الإنسان واطلق المؤرخون العرب عليه اسم جبل الثلج.]

وجبل الشيخ هو أشهر جبال بلاد الشام، فهو يقع بين سوريا ولبنان، ويطل على فلسطين والأردن، أي أن رؤيته ممكنة من الكيانات السياسية الأربعة التي كانت تشكل قديما بلاد الشام (سوريا، الأردن، لبنان، فلسطين). واسم “حرمون” هو كنعاني الأصل ومعناه “مقدّس”. وجاء في ملحمة جلجاميش السومرية ذكر لحرمون، حيث قيل “أرض جبل الأرز حرمون، هي أرض الخالدين”. وقد جاء إليها جلجاميش ليقيم لها اسما حيث ارتفعت الأسماء. وجاء في قول أحد المؤرخين :” ما يدهش في قصة جلجميش وأرض الأحياء هو أن البطل رأى رؤية عندما نام في سفح حرمون، وكانت الرؤيا تصوّر مصيرا كونيا، وليست خاصة به وحده. وقد درج تعريف حرمون على ألسنة الكثيرين من كتّاب التاريخ الديني بأنه جبل الرؤى”.

وقد سمّاه الأموريون “شنير” وسماه الفينيقيون “سيريون” وسماه الأشوريون “سفيرو”. كما عرّفه جغرافيو العرب بـ”جبل الثلج”، وقد تكون هذه التسمية ترجمة لاسمه في الآرامية “طور تلجا”. ومن تسميات جبل حرمون “أرض شوبا” نسبة لإله الحوري “شوب”، إله الهواء الذي باسمه تسمت بلدة كفر شوبا في العرقوب عند سفوح حرمون. ولا يزال في كفر شوبا معبد ضخم يُعرف بمعبد “بعل جاد” وهو نفسه بعل حرمون.

تاريخيا كان الجبل العظيم أقدس الجبال، وأهم مركز العبادات عند الكنعانيين الأقدمين. فقد عبده الفينيقيون، وأطلقوا عليه اسم أحد آلهتهم، البعل حرمون. وقد أقاموا لبعلهم هيكلا إلى جانب الصخرة الكبيرة التي تكلل قمتها لا تزال آثارها ظاهرة حتى اليوم. ومنها بقايا جدار “قصر شبيب”[5] العائد إلى أحد هذه الهياكل وطوله قرابة عشرة أمتار وداخل المعبد ثمة فتحة دائرية ذات مساحة تراوح بين 26 و 30 قدماً مربعاً، وعمقها ثلاث أقدام كانت تستخدم مكاناً لإيداع النذور من جانب الصاعدين إلى قمة الجبل. وقد وجدت قطعة من حجارة المعبد بطول 18 قدماً وعرضها 12 قدماً وسماكتها أربع أقدام حفر عليها كتابات يونانية بالمعنى الآتي: “بأمر من الإله الأعظم المقدس قدموا النذور في هذا المكان”. وهناك مغارة تقع حالياً داخل موقع للقوات الدولية يعتقد أنها كانت معبداً للإله إيل.

وقد لاقت المعابد في حرمون اهتماما بالغا من الرومان، الذين أعادوا تجديدها وتوّجوا أعلى الجدران بتيجان مشابهة لمعبد باخوس ومعبد جوبتير في بعلبك، وبقيت هذه المعابد تتمتع باحترام كبير، وبحركة حج تكمل زيارة بعلبك ومعابدها حتى القرن الخامس للميلاد.

وجاء في تاريخ العرب أن الكعبة المشرّفة بُنيت من حجارة أحضِرت من خمسة جبال، كان حرمون المقدس أحدها.

وفي الثورة السورية الكبرى، وقعت معارك في مجدل شمس وفي حاصبيا، تشهد على أهمية هذا الجبل العسكرية

ولعل أكثر الظواهر التي شدّت أنظار المؤمنين، منذ القدم وحتى اليوم، إلى هذا الجبل المكللة هامته بالثلوج غالبية أيام السنة، ذلك الارتفاع الشاهق والموقع الاستراتيجي المطل على كل ما يسع العين أن تشاهده، من بادية الشام إلى بحيرة طبرية وجبال لبنان، والبحر المتوسط وجزيرة قبرص حتى تركيا. وتذكر المصادر التاريخية، أن الوثنيين الذين عبدوا الشمس، ظنوا أنهم يقتربون من معبودتهم الساطعة فوق الجبل، أكثر من أي مكان آخر. جلال وروعة المنظر، دفعت الكنعانيين إلى تأليه الجبل، فأطلقوا عليه بعل حرمون، وشيدوا فوقه هياكل ومعابد، ما يزال يحمل آثارها إلى اليوم.

كان القدماء يصعدون قمة الجبل أواخر كل صيف، ويقدمون نذورهم وأضحيتهم، وظلت الطقوس الدينية تقوم فوق الجبل إلى العهد البيزنطي، حتى إبّان انتشار الديانة المسيحية. ومن أقدم ما بقي من آثار، المعابد الوثنية فوق بعل حرمون، معبد الإله شوب القابع فوق أعلى قمم الجبل على ارتفاع 2814متراً. ويوجد حول الجبل، تسعة معابد تتشابه فيما بينها إلى حد كبير، تتكامل مع المعبد الكبير القائم فوق قمة الجبل، أحدها معبد بعل جاد في الهبارية، ومعبد عين حرشا، وفي منطقة البقاع، والسفوح الشرقية للجبل من الجانب السوري، وفي هضبة الجولان المحتل.

ويبدو أن الموقع، استعمل في وقت لاحق مكاناً للسكن، لذلك أسماه الناس قصر شبيب، وتداولوا حكاية أقرب إلى الأسطورة تقول إن شبيب التبِّعي كان أميراً يمنياً مات على أيدي أبو زيد الهلالي في إحدى حجرات القصر، الذي عُرف أيضاً بقصر عنترة. ولكن لا قيمة تاريخية لكلتا التسميتين.

هناك أيضاً بناءٌ آخر قريب من القصر، بناه الأمير نجم الشهابي عام 1195، لغرض الاستجمام في فصل الصيف، وفيه فاضت قريحة الأمير ببعض الأبيات من الشعر.

ومن الآثار المتبقية فوق جبل الشيخ أيضاً، تلك الأجران الرومانية قرب تلة الجراجمة، حيث كان الرومان يشعلون فيه النار، فتشاهد من مدينة قبرص على ما يذكر الدكتور فيليب حتّي، وكانت بمثابة رسائل يُعرف قصدها من بعيد، في إشارة إلى إشعال النار فوق الجبل، يوم ارتفاع الصليب الذي اكتشفته القديسة هيلانة في القدس بعد أكثر من ثلاثمئة سنة. فأعطيت الإشارة للقسطنطينية بواسطة «قبولة» النار، التي ما يزال المؤمنون يقيمونها ليلة عيد الصليب في 14 أيلول من كل عام، في حين تقام في معلولا في سوريا، التي ما يزال أهلها يتكلمون الآرامية لغة السيد المسيح، احتفالات ضخمة في المناسبة، وهذه العادة متوارثة من جيل إلى جيل، منذ ما يقرب الألفي عام. وكانت قمم جبل الشيخ في لبنان وجبال القلمون في سوريا، من النقاط الثلاث بعد جبل الزيتون في القدس، التي أرسلت عبرها بشرى اكتشاف الصليب المقدس إلى القسطنطينية في بلاد الأناضول.

إضافة لتلك البقايا الأثرية، هناك نص اكتشف على أيدي الأثري البريطاني جورج سميث عام 1966 م، يعود إلى القرن التاسع ق. م، دوّنه الملك الأشوري شلمنصر، ويصف فيه أعماله الحربية فيقول، «في السنة الثالثة من ملكي، عبرت الفرات للمرة السادسة عشرة»، وكان الملك حزائيل الآرامي الواثق من قوته، قد حشد جيشاً عظيماً وتمركز عند جبل سنير عند مدخل لبنان حصنه القوي». حزائيل هذا كان ملك آرام دمشق، وسنير هو جبل الشيخ عند الأشوريين، إضافة لما عرف به من أسماء كثيرة. فالصيدونيون كانوا يدعونه حرمون سيرون، والأموريون سنير أو شنير، وعرفه العبرانيون باسم سيئون وسعير، كما ورد في العهد القديم، ودعاه الآراميون طور ثلجا، أما اليونانيون ومن بعدهم الرومان، فأطلقوا عليه اسم انتيليبانوس أي المواجه للبنان، وأخيراً أطلق عليه العرب اسم جبل الثلج. فقد جاء فيه في قصيدة لحسان بن ثابت يمدح فيها أميرين من أخواله من آل جفنه الغساسنة.

هذا الجبل الشـامخ المهيب يطل على أماكن واسـعة جداً من البلاد السـورية   فالواقف على ذراه ولا سـيما على قمة قصـر عنترة بإمكانه مشـاهدة مدينة دمشـق وسـهول حوران أهراء القمح وبادية الشـام وهضبة الجولان في سـوريا وقسـماً من المناطق الشـمالية الاردنية وعلى هضـاب فلسـطينوجبال الجليل والخليل وسـهل الحولة جـورة الذهـب وبحيرة طبريا في فلسـطين ، كما يطل على سـهلي البقاع ومرجعيون وجبل عامـل وجبل الريحـان وتومات نيحـا وهضـاب سـلسـلة جبال لبـنان الغربية وقممها المطلة على البقاع كما يمكن رؤية البحـر الابيض المتوسـط وجزيرة قبرص.