خاض اللبنانيون في سبيل استقلالهم نضالاً طويلاً، وكانت معركة العام 1943 تتويجاً لإرادة وطنية عبّرت عن نفسها بقوة وتطوّرت بشكل تصاعدي، الى أن تحقق الإستقلال الناجز مكرساً لبنان وطناً حراً، سيداً، مستقلاً، واحداً لجميع أبنائه.
ولقد كان سعي اللبنانيين الى الاستقلال والحرية من السمات البارزة التي عرفوا بها خلال حقبات التاريخ المختلفة. بدءاً بالقديم منها، مروراً بالعهد العثماني ووصولاً الى الانتداب.
معركة 1943 بما شكلته كفترة حاسمة في تاريخ لبنان الحديث نستعيدها هنا عبر أصوات بارزة شاركت في صنعها على المستويين الرسمي والشعبي.
على المستوى الرسمي نترك رواية تفاصيل تلك الأيام المجيدة، للرئيس الراحل الشيخ بشارة الخوري، فنعيد نشر مقتطفات من مذكراته التي وردت في كتابه “حقائق لبنانية”. أما على المستوى الشعبي فنستعيد ما حصل عبر رواية شهود عايشوا التظاهرات والتحركات الشعبية، وقد سبق للرواية أن جمعت من أحاديث صحفية لكل من المطران جورج خضر والنقيب زهير عسيران والعميد نخله مغبغب.

تفاصيل أيام الإعتقال كما رواها الشيخ بشارة الخوري

ليل 10/11 من تشرين الثاني:
حوالى الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، استيقظت وقرينتي في آن واحد على ضجة قوية في الدار الداخلية أمام غرفة المنامة، واعتقدنا أن الخدم تأخروا في السهر أو أنهم استيقظوا باكراً لتنظيف البيت. قمت وفتحت الباب لأرى ماذا يجري فوقعت عيناي على جنود بحريين فرنسيين مسلحين بالبنادق وبرؤوسها الحراب، وبعض جنود سود مسلحين على الشكل عينه، وصاحوا بي قائلين: أخرج! أخرج عاجلاً! فأقفلت الباب بالمفتاح ظناً مني للوهلة الأولى أن هؤلاء الجنود قد سكروا ليلة عيد الهدنة وعلموا بالخلاف القائم بيني وبين المندوب الفرنسي فأرادوا اغتيالي. وفتحت النافذة أنادي على الجيران لينبهوا البوليس منعاً للإغتيال فلم أسمع جواباً وبدا لي الجو كأن الموت قد خيّم على جوانب البيت.
ودامت تلك الحالة دقيقتين أو ثلاثاً، وإذا الباب الجنبي من الغرفة يفتح علينا ويدخل ولدي ميشال ومعه ضابط برتبة كابتان لا أعرفه، يحمل مسدساً ورشاشاً صغيراً وقال بتهذيب وخشونة: لا نقصد بكم شراً غير أنني حامل أمراً من المندوب السامي بتوقيفك.
فقلت: إني رئيس جمهورية مستقلة ولا صفة للمندوب السامي أن يخاطبني.
قال: سأتلو عليك الأمر.
وتلا عبارات مطبوعة على الآلة الكاتبة يُفهم منها الأمر بتوقيفي بسبب مؤامرة على الإنتداب القائم!
طلبت أن يسلمني الأمر فرفض، وقال: أمامك عشر دقائق حتى ترتدي ثيابك. فقلت: لا حاجة لارتداء الثياب في مثل هذه الحالة، وخذني كما أنا.
قال: كل مقاومة عبث والأفضل أن ترتدي ثيابك بلا مجادلة… وارتديت فوق ثيابي أول معطف وقع تحت يدي. وودّعت قرينتي وولدي وألقيت نظرة على غرفة ابنتي هوغيت ورأيتها مظلمة فآثرت ألا أوقظها، وكنت أجهل أن سريرها محاط بالجنود السود وهم شاهرو السلاح، وأنهم أيقظوها من نومها الهانئ ومزّقوا “ناموسيتها”بحرابهم…

في الطريق… نحو راشيا

صعدت بنا السيارة الى عاليه وبحمدون، والطريق خالية، والبرد قارس، وقبل محطة بحمدون رأيت سيارة أمامنا فسبقناها، ثم خفّفنا السير فسبقتنا، بينما أنوار السيارتين تضاء تارة وتطفأ أخرى، كأنها علامات رمزية بين السائقين. وابتدأ الصبح ينبلج بين شتورا ومفرق راشيا فتبينت في المقعد الخلفي من السيارة السائرة أمامنا طربوشاً عرفت به طربوش رياض الصلح، وكان رياض محاطاً برجلين.
ووقفت السيارة الأولى في السهل قبل راشيا، ووقفنا وراءها على بعد مئتي متر تقريباً، ورأيت رياضاً يترجل وقد لحق به الرجلان، وبعد هنيهة مشينا وإذا وراءنا سيارتان لم أعرف من فيهما. وفي الساعة السادسة صباحاً وقف الرتل أمام قلعة راشيا ودخلت ورياض، والتفتّ الى ورائي فشاهدت سليم تقلا وكميل شمعون يتبعاننا. وفي الباحة الداخلية وزعنا على الغرف المحيطة بالدار. أدخلوني غرفة عارية من كل رياش، إلا من كرسي خشبي، فجلست عليه والباب مفتوح على الدار يحرسه واحد من رجال الأمن العام… لم تنقض دقائق حتى دخل ضابط القلعة الى غرفتي وقال بكل تهذيب: “إذا شاء سيدي فليتفضل الى غرفة معاوني لأنها تريحه أكثر من هذه الغرفة”. شكرته ودخلت الغرفة الشرقية القبلية ولفيت أرضها مغطاة ببساط، وفي أحد جوانبها سرير يقابله مقعد وكرسي كبير، وعلى الحائط بعض الصور الزيتية، ثم أقفل عليّ الباب وكانت الساعة الثامنة تقريباً.

أول الأيام في القلعة

أخرجت من جيبي كتاب “الإقتداء بالمسيح” وبدأت أصلي صلاة الصبح. وفي المساء خرجت الى الحمام، في جوار غرفتي والتقيت رياض الصلح فقال لي: “لا تتأثر، كنت دائماً رئيساً في لبنان، أما اليوم فأصبحت زعيماً له”. وأجبته: “إنني غير متأثر، وكله للخير إن شاء الله”. وسمعنا الحراس نتبادل هاتين الجملتين فلم أعد أرى رياضاً في الدار الداخلية، وعرفت بعدها أنه أكره الى استعمال الحمام الخارجي منعاً له من محادثتي.
… في الساعة الخامسة صباحاً خرجت من غرفتي لغسل وجهي ورجعت فجلست على المقعد، ووضعت حراماً على ركبتي أتطلع من النافذة التي تطل علي جبال راشيا مفكراً بمصير لبنان. ثم طلبت بعض الكتب للقراءة فحملها إلي الليوتنان لابلو ضابط القلعة.

زائرون جدد

بعد ظهر الخميس 11 من تشرين الثاني وصل الى القلعة عبد الحميد كرامي وعادل عسيران وأدخلا الغرفة التي وضع فيها سليم تقلا وكميل شمعون وصار عددنا ستة.
في الساعة الخامسة والنصف من يوم الجمعة أخذت أتمشى في غرفتي وسمعت صوت سيارة تصعد نحو القلعة، عرفت أنها السيارة التي تأتي بمعونة الطعام للضباط والحراس. وبعد قليل سمعت همساً في الدار فاستنصت وسمعت أحدهم يقول: “عبثاً حاولنا الإبتياع من المدينة فبيروت مقفلة. لقد أحرق الأهلون عربات للجيش في ساحة الشهداء، والحالة متأزمة جداً، وهي تتفاقم ساعة بعد ساة”. فقلت في نفسي: الحمد لله، إن لبنان حي لا يموت. الله مع العهد. ثم عرفت أنه ما إن انتشر خبر الإعتقال في بيروت وأنحاء لبنان حتى خفت الأهالي الى ساحات المدينة العمومية وشوارعها الرئيسية وقلبت السيارات العسكرية ظهراً على عقب وأضرمت فيها النار، وقصدت قصر الرئاسة ألوف وهي تتظاهر إحتجاجاً على اعتقالنا…

رياض ينشئ مكتب استخبارات

… انقضت الأيام التالية وأنا منقطع عن كل خبر، مستسلم لكل تقدير وتكهن، ولم أكن لأدري أن رياض الصلح أسس منذ اليوم الأول “مكتب إستخبارات” في غرفته. وقد استطاع أن يرسل إلي وريقة تحمل بعض الأخبار: “تولى إميل إده الحكم. جاء الى السرايا محروساً بحراب السنغاليين. الثورة مشتعلة في بيروت. موقف الجنرال سبيرس وسجن رئيس الكتائب وحماسة المطران مبارك للقضية…”.

الأربعاء 17: رسول من كاترو

وقفت الى نافذتي حوالى الساعة الرابعة بعد الظهر أشرف على راشيا وجوارها، وإذا سيارة سوداء تبدو من الوادي وتصعد نحو البلدة ومنها الى القلعة. فتساءلت: من عساه يكون فيها؟ وكأن شعوراً داخلياً أنبأني أنّ فيها رسولاً إلينا، وبعد نصف ساعة دق بابي ودخل علي الزعيم سليمان نوفل وأدى التحية العسكرية وانحنى بكل احترام على يدي وقال:
“يا فخامة الرئيس إني آت بمهمة… وإليكم مهمتي: ˜استقبلت الجنرال كاترو في المطار أمس ودعاني لمقره، وقد رفض النزول ضيفاً على السفير هللو، فمكثت لديه أكثر من ساعة شرحت له الحالة كما أراها وتراها البلاد. وقد كلفني بشرف المثول بين يديكم لأعود وأخبره في ما إذا كان عندكم مانع من الإجتماع به غداً الخميس، والأرجح أن يكون هذا في بلدة مجاورة لراشيا. والذي استنتجته من حديثه أنه يحترم شخصكم، وأنّ عودتكم لمنصبكم مضمونة ومتفق عليها، إنما له بعض المطالب في ما يتعلق بالمجلس والوزراء”. فقلت للزعيم نوفل: عند المقابلة نرى ما يكون. فرجا أن أكتب بخط يدي ما يشير الى قبول المواجهة…

الخميس 18: تحت الحفظ في بيروت

انقضى نهار الخميس ولم تجر المقابلة المنتظرة. وسجا الليل وخيّم على القلعة سكون رهيب… خلوت الى نفسي والى ربي وتناولت كتاباً، وما إن بدأت بالقراءة على ضوء ضئيل حتى فتح بابي ودخل علي ثلاثة ضباط عرفت منهم الكومندان جولان دي نوره رئيس غرفة الجنرال كاترو، والكابتن بوتيون معاون مدير الأمن العام الفرنسي، وأما ثالثهما فعلمت في ما بعد أنه الكابتن بلانشه المرافق الأول للجنرال. ألقوا عليّ التحية العسكرية وتقدم مني الكومندان جولان قائلاً: “نحمل إليكم سلام الجنرال كاترو، وهو يعتذر عن اضطراره لدعوتكم الى بيروت”. قلت: لا بأس…
تم اللقاء في بيت معروف باسم “بيت الدنا” سكنه في ما مضى المسيو لالوه المستشار الاستئنافي في القضاء اللبناني…

لقاء الشيخ بشارة والجنرال كاترو

حيّاني الجنرال كاترو بكل لياقة واحترام، واعتذر عن ازعاجي بزيارته في بيروت وعن تأخره الوجيز، ودعاني الى البهو الكبير وأجلسني على “˜دشك”Œ عال وجلس بجانبي، ثم قال:
إسمع يا فخامة الرئيس قبل كل شيء أعبّر لك عن أسفي لما جرى، وعن سوء المعاملة التي لقيتها من المسيو هللو، ويسرني أن أخبرك أن المسيو هللو قد أقيل من وظيفته، وسيعود الى الجزائر في الوقت المناسب، والآن أطلب منك أن تقص علي سلسلة الحوادث التي مرت على لبنان منذ تركي إياه في الصيف الماضي.
قلت: تعلم يا حضرة الجنرال أن المسيو هللو قد تدخل في الانتخاب، مخالفاً وعدك الذي قطعته لي في فندق الشقيف (بحمدون)بالمقابلة الأخيرة التي جرت بيننا. وبدا تدخله سافراً مفضوحاً قاصداً إقصاء العناصر الوطنية وأنا في رأسها عن المجلس لكنه لم يفلح. وانتخبت للرئاسة كما تعرف ودعوت رياض الصلح ليرئس الوزارة، وكلانا يسعى الى خدمة بلاده لتحقيق أمانيها بالاستقلال التام الناجز، وفقاً للتعهدات التي قطعت لنا من جانب الحلفاء، ووفقاً للبيان الذي أذعتموه حضرتكم بلسان لجنة التحرر الفرنسية يوم رجعتم إلينا في صيف 1941 تقودون قوى فرنسا الحرة. وقد تضمن البيان الوزاري عهداً صريحاً بأن تتقدم الحكومة الى المجلس النيابي في أقرب وقت بمشروع تعديل للدستور يجعله منسجماً مع مقتضيات ذلك الاستقلال… وقاطعني الجنرال كاترو سائلاً: وما الذي جعلكم تستعجلون الأمور وتستبقون رجوع المسيو هللو من الجزائر وهو يحمل إليكم مقترحات جديرة بالقبول، وقد سبق له قبل سفره أن اجتمع إليكم والى رياض الصلح في شتورا واستمهلكم الى حين عودته فأمهلتموه على ما أعلم.
قلت: جرى ما تفضلتم به، إنما أمران جعلانا نشك بحسن نية المسيو هللو: كتاب صدر منه، بعد سفره، ينكر علينا حق تعديل الدستور وحدنا بمعزل عن فرنسا، وقد أجبنا عليه في حينه ولم نحرك ساكناً. أما الأمر الثاني فهو صدور بيان لجنة التحرر الفرنسية في الجزائر في 5 تشرين منكرة علينا، هي أيضاً، حق التعديل إنكاراً باتاً لا يقبل الجدل، وزاد في الموقف حرجاً أن المندوبية الفرنسية أذاعت البيان على الصحف قبل أن تبعث به الى الحكومة والي، خلافاً لكل عرف، ما أثبت لنا أن غايتكم هي وضع الحكومة اللبنانية أمام الأمر الواقع، وقطع السبل عليها، وشل عملها الدستوري. وهذا هو السبب الذي استعجل تقديم مشروع التعديل الدستوري. إن بيان لجنة التحرر قلب الأمور ظهراً على عقب، وحلّنا من انتظار المسيو هللو.

طلاب استقلال كامل

قال الجنرال كاترو: أما وقد جرى ما جرى، أفلا تظنون يا فخامة الرئيس أن سيطرة النفوذ البريطاني أوصلتنا الى المأزق، فدفعتكم بريطانيا الى هذا الموقف واعتنقت وجهة نظركم، وهي تمطرنا كل يوم انذارات سياسية وعسكرية لإعادة الأوضاع اللبنانية الى نصابها؟ وها أن المستر كايزي وزير الدولة البريطانية المولج بشؤون الشرق قد حضر من القاهرة الى بيروت ليتولى تبليغي هذه الإنذارات.
قلت: لم تتدخل بريطانيا في طلب تعديل الدستور، ولا في اقرار هذا التعديل. فالعمل الذي قمنا به كان لبنانياً بحتاً، وضمن نطاق صلاحياتنا الدستورية، من دون أي تشويق من الخارج. وإذا كنتم حضرتكم تلمحون الى أن رئيس الجمهورية وحكومته والمجلس يهدفون من وراء هذا كله الى اقصاء فرنسا واستبدال انتداب آخر بانتدابها، وبكلمة أصرح: انتداب إنكليزي، فأنتم على خطأ، نحن طلاب استقلال كامل، ولا نرضى بديلاً عنه ولا انتقاصاً منه على يد أية دولة…
سكت الجنرال كاترو دقيقة، ثم قال: لنبحث الآن أموراً عملية. إن المهمة التي أوكلها الي الجنرال ديغول ولجنة التحرر تخولني حل الحالة الحاضرة حلاً حاسماً. لا أنكر عليكم أن جميع إتصالاتي بالشخصيات التي اجتمعت إليها منذ وصولي الى لبنان، أثبتت لي إجماع الناس على تقديركم واحترامكم، وعلى طلب عودتكم الى الرئاسة بأقرب ما يمكن. وهذا أمر مفروغ منه عندي. وقد أبلغت رأيي الى حكومة الجزائر. غير أن لي مطلبين من فخامة الرئيس: الأول يتعلق بالوزارة، فإن حكومتي ترى أنه من الضروري إقالتها تعويضاً من كرامتنا، والثاني يتعلق بالمجلس النيابي ونرى أيضاً وجوب حلّه وانتخاب سواه فهل لكم ما يقال بهذا الشأن.
قلت: يا حضرة الجنرال، أعلن بكل صراحة أنه لا يسعني إجابة أي مطلب من المطلبين، ذلك أنني رئيس دستوري. أضف الى هذا أنني وافقت على كل سطر من سطور البيان الوزاري الذي نال رياض الصلح رئيس الوزارة ثقة المجلس النيابي على أساسه، والذي اقترحته على المجلس وفقاً لسلطتي الرئاسية المستمدة من بنود الدستور. والمجلس عينه أقر المشروع المقترح مني برضا الحكومة ومعرفتها، فكيف يكون بوسعي، والحالة ما ذكر، أن أقيل الوزارة أو أحل المجلس، وأنا متضامن معهما في جميع تلك التدابير؟ فخلاصة القول، ولن أزيد: إما أن نخرج جميعنا من قلعة راشيا كما أدخلناها وإما أن أرجع الى الاعتقال مع رفقائي الى أن يمن الله علينا بالفرج!

لا تعديلات ولا مساومات

أطرق الجنرال كاترو، وفكر ملياً قبل أن يستأنف الحديث ثم قال:
أليس بإمكان رياض الصلح رئيس الوزراء أن يوجّه كتاباً يبيّن فيه أن ما قام به من الأعمال لا يستهدف الإساءة الى فرنسا، فيكون هذا الكتاب بمثابة تلطيف لنا، وهل يصعب أن تتخذوا فخامتكم تدبيراً بإرجاء دورة المجلس النيابي أربعة أشهر يخف أثناءها التوتر القائم بين علائق البلدين فتمكننا هذه الفترة من تدبير الأمور؟
قلت: أما في ما يتعلق بالكتاب، فالرأي منه لرئيس الوزارة نفسه. وفي نظري أنه عمل غير مناسب، لأنه يفترض إساءة لم تخطر على بال أحد منا. أما في ما يتعلق بإرجاء دورة المجلس فلا اكتمك أن الأمر مستحيل، فالدستور يمنح رئيس الجمهورية حق إرجاء افتتاح الدورة العادية للمجلس شهراً واحداً، والدورة مفتوحة اليوم، فلا يجوز لي دستورياً تأخيرها بصورة من الصور.
رجع الجنرال الى التفكير والتأمل، ينظر الي تارة والى الأرض طوراً، ثم قال:
هل يزعجكم أن تعلموا رياض الصلح رغبتي بالإجتماع به هنا غداً مساءً، فأبحث معه قضية الكتاب المذكور وغيرها من الشؤون، وسأتخذ التدابير اللازمة لانتقاله من راشيا الى بيروت؟
قلت: لا يسعني ذلك لأن “الإختلاط” ممنوع بيني وبين رياض الصلح وسائر المعتقلين. فأرجو أن توصل إليه الخبر بواسطة الضباط الذين رافقوني. فبدت على وجهه علامات التأثر وقال بحدة: ممنوع “الاختلاط”! ممنوع “الاختلاط”! ما معنى هذا التدبير الاعتباطي؟ هل أنتم مجرمون؟ أنا لا أقبل بذلك وسأعطي الأوامر القاطعة بالسماح لكم بمقابلة بعضكم بعضاً، ابتداءً من صباح غد الى أن يصدر الأمر بالإفراج عنكم جميعاً. وسكت لحظة ثم أردف: أظن أن الإفراج سيقع يوم الأحد في 21 من تشرين الثاني ما لم يحدث ما ليس بالحسبان.
رجعت الى راشيا بالمنهاج الذي غادرتها به، ووصلت الى القلعة في منتصف الليل. ولا ضوء فيها الا المصباح الضئيل في حجرة رياض الصلح. إلا أنني لم أقابله إلا في الصباح المبكر من اليوم الثاني إذ دعوته الى غرفتي وقصصت عليه ما جرى، فنظر فيّ ملياً وقال: كنت على عهدك مع نفسك، وعلى عهدك مع بلادك ورفقائك، بارك الله فيك! ثم تعانقنا طويلاً.
في الساعة الخامسة مساءً دعي رياض الى بيروت ونزل محاطاً بالحراس، ورجع الى راشيا في ساعة متأخرة من الليل.

السبت 20: “سنكون جميعاً متفقين”

الساعة السابعة صباحاً دخل علي رياض وأخبرني بما جرى بينه وبين كاترو وقال: ˜إن الأجوبة التي سمعها الجنرال مني مطابقة لما سبق واتفقنا عليه. وقد عرض عليّ الجنرال مشروع كتاب التلطيف الذي يرى أن أبعث به إليه عند الإفراج، وهذا هو…
وأعطاني رياض ورقة، قرأتها واتفقت معه على أن لا وجوب لكتابتها الى الجنرال، وفي ظني أن تلك الورقة “المسودة” لا تزال في محفوظات رياض.
وعلى الأثر دعوت رفقاءنا المعتقلين وأخذ كل منهم يقص خبر اعتقاله، فاختصرنا الحديث وقلنا “لدينا من المعلومات الرسمية ما هو أهم”. ثم بسطنا لهم ما جرى. فاستقبلوا أخبارنا بملء السرور.
وكنت قد اتفقت مع رياض على إخفاء موعد الإفراج خشية أن يتأخر لظروف ليست بالحسبان فيعود الرفاق الى الإضطراب، ولكن بعضهم ألحوا علينا بمعرفة الموعد فقلنا لهم: إن شاء الله يوم الأحد، وقد يتأخر فلا تقلقوا…
صدق ظني وتأخر الإفراج عنا. القلعة هادئة وجميعنا بالإنتظار. وهذا الكابتان بلانشه مرافق الجنرال كاترو يستأذن بالدخول وينبئني أن حل القضية قد تأخر، وأن التأخير مهما طال فلا يتجاوز يومين أو ثلاثة، وقدّم لي كتاباً من رئيسه بهذا المعنى وودعني.
دعوت الرفاق وأطلعتهم على الكتاب. وكان رد الفعل مختلفاً فيهم باختلاف أمزجتهم، أنا ورياض رضينا بالأمر وانتظرنا النتيجة بكل صبر لأننا توقعنا مثل هذا التأخير وظللنا مجتمعين طوال النهار نتبادل الأحاديث.

ليل 21/22: راديو الجزائر يذيع إخلاء سبيلنا

خيّم الليل على القلعة وخلا كلّ منا الى مخدعه. حوالى الساعة التاسعة سمعنا ضجة في الدار الداخلية حيث نقطن، عقبها وقع أقدام وقرقعة في نقل أسرة ومقاعد. جرس التلفون يرن كل خمس دقائق… بعد الجهد علمنا أن الكولونيل بواسو ومعاونين له هبطوا القلعة فجأة وطلبوا إعداد أسرة للنوم، وبرفقتهم عساكر ظلوا خارج الدار في الباحات الملاصقة. حوالى الساعة الحادية عشرة رن جرس التلفون طويلاً فأصغينا: همسات لم نتفهمها تصل من بعيد. طالت المخابرة مدة غير يسيرة. سمعنا وقع أقدام من جديد. ثم خيّم السكون. ذلك كله أشبه بعاصفة مفاجئة تهب ثم تشتد ثم تهمد، ويعود الجو الى صفائه بعد تعكره.
ما إن ألقيت رأسي على الوسادة حتى دق الباب ودخل معاون مدير السجن (الذي كنت قد حللت في غرفته) فحيّاني التحية العسكرية واعتذر عن ازعاجي في تلك الساعة المتأخرة لأن الخبر الذي يحمله الي مهم جداً.
أصغيت إليه فقص عليّ أنه سمع منذ دقيقة في راديو مدينة الجزائر أن لجنة التحرر الفرنسية قررت إطلاق رئيس الجمهورية اللبنانية وإعادته الى منصبه وإخلاء سبيل المعتقلين الآخرين. فكرت مدة طويلة بتفسير هذا النبأ ثم قررت في نفسي إذا أرادوا أن يفرّقوا بيني وبين رفقائي في المعاملة فلن أقبل. وعند عودتنا الى بيروت سنزيل بإذن الله كل تفريق أرادوه.

اليوم المنتظر: الاثنين في 22

استيقظت باكراً وخرجت الى الدار. شاهدت معاون الضابط الذي جيء به خصيصاً للمحافظة علينا في اليومين الأخيرين لأنه شرس الأخلاق. فوقف وقفة عسكرية حياني لأول مرة يرفع يده الى قبعته فشعرت أني لم أعد معتقلاً وإن وقف السنغالي بسلاحه في باب غرفتي.
ارتدى كل منا ثيابه وعقدنا اجتماعاً طويلاً. أخبرني رياض أن الكولونيل بواسو وأعوانه وصلوا في الليل لنقلنا من القلعة عنوة وللفتك بنا إذا أخلي سبيلنا. وقد أجبر ذلك الكولونيل الحرس على إعداد المنامة له. وصدرت إليه أوامر عسكرية بإخلاء القلعة فأبى. ثم أذعن مرغماً بعد مخابرة هاتفية طويلة. وعرفنا أيضاً أن مؤامرة عسكرية دبرت في الوقت عينه لخطف الجنرال كاترو من بيته في الحي الشرقي ببيروت والفتك به لئلا يفرج عن المعتقلين.
انقضى قسم من الصباح ونحن بانتظار السيارات التي ستقلنا الى بيروت. خرجنا من غرفنا نتمشى في الدار الخارجية على أحر من جمر. تبادلنا الأحاديث عن كل ما جرى. عاهد بعضنا بعضاً على السير الحثيث متضامنين الى الهدف الاستقلالي…
قارب الوقت الظهر. وهذا غبار سيارات ثلاث يتصاعد من بعيد. دوّى صفير الحراس وطلبوا إلينا أن نعود الى غرفنا. لم يطل الوقت ودخل غرفتي المسيو دافيد المندوب الفرنسي لدى الحكومة اللبنانية، يرافقه الزعيم نوفل وأبلغاني أمر الإفراج. أبلغته بدوري الى الرفقاء المنتظرين. ودعوت بعض الحراس لإعداد الحقائب.
خلا بي المسيو دافيد وطلب إلي أن أستقبل فور وصولي الى بيروت الجنرال كاترو فعينت له الساعة الثالثة بعد الظهر. وما إن خرج من الغرفة حتى دنا مني الزعيم نوفل وقدم لي كتاباً باستقالته من منصبه، فأعدته إليه وقلت له: عند رجوعنا الى بيروت نرى ما في الأمر.

العلم اللبناني يرفرف والنشيد الوطني يلعلع

خرجنا من الدار الداخلية وشاهدنا السيارات الرسمية يقودها أفراد من الدرك اللبناني. العلم يرفرف على سيارتي. طلب إليّ المسيو دافيد أن يرافقني بحجة إكمال حديثه معي فقبلت. ما أن تحركت السيارات حتى ارتفعت أصوات المعتقلين في الطابق العلوي من القلعة بالنشيد الوطني اللبناني. إننا نسمع التحيات والتمنيات والقرقعة على الأبواب وعلى حديد النوافذ، كادت أساسات القلعة ترتج. دقيقة مؤثرة جداً. اغرورقت أعين الجميع بالدموع. ما إن أطلت سياراتنا على ساحة راشيا حتى قرعت الأجراس وعلا الهتاف ولعلع صوت “المعدل” في الجو وهجم الأهالي دروزاً ومسيحيين بكوفياتهم البيض يسدون علينا الطريق للتحية. بلغت الحماسة مبلغها والتأثر أوجه، وراح المستقبلون يوجهون إليّ والى رفقائي التحيات الطيبة فشكرناهم وطلبنا منهم بكل لطف أن لا يؤخروا سيرنا.
انسلّت السيارات تنهب الأرض بسرعة فائقة كأن محركاً آخر يزيدها قوة واندفاعاً، وفي الطريق أخذت السيارات الذاهبة نحو دمشق تقف عند مرور الموكب وركابها يصفقون تصفيقاً حماسياً وهتافاتهم تخرج من أعماق الفؤاد.
استوقفنا جمهور كبير في شتورا مطلقاً العيارات النارية، وقطعنا المريجات ومخفر ضهر البيدر ووقفنا دقيقة في المديرج.
لما أطل الموكب على وادي حمانا أوقفت السيارة وقلت للمسيو دافيد أن ينتقل الى سيارته ودعوت رياض الصلح أن يرافقني وأنزلت العلم القديم وكشفنا السيارة وسرنا بدون علم يتبعنا رفقاؤنا بالاعتقال، واندفعنا بسرعة البرق الخاطف في طريق بيروت، فما مررنا ببلدة إلا ولقينا أبناءها حشداً متماسكاً على طرقاتها يتزاحمون لتحية الموكب، وكنا نلتقي بسيارات المستقبلين صاعدة لملاقاتنا فيحيينا ركابها وينضمون إلينا. ووصلنا الى بيروت ومعنا رتل كبير من المرافقين فمررنا بساحة الشهداء من أمام السرايا، واتجهنا نحو البيت وهناك استقبلنا هتاف الجماهير وتصفيقهم وحداؤهم، ولم نتكمن من صعود السلم والدخول الا بشق النفس. فقد تلاصقت المناكب كالبناء المرصوص، ووقف بعضهم على الكراسي والمقاعد، وعلى البيانو ايضاً، وكانت زوجتي وأولادي واخوتي في مقدمتهم فؤاد ينتظروننا في غرفتنا محاطين بأصدقاء كثيرين، فتعانقنا واحداً واحداً والدموع تنهال من أعين الجميع، وبلغ التأثر بزوجتي أن كادت يغمى عليها فخف الأصدقاء الى إسعافها بالمنعشات. وكنت أنا أملك نفسي من تلك الانفعالات الشديدة لأتمكن من مجابهة الأحداث، فالعمل لما ينته.
أوصلني رياض الى البيت وألقى التحية على الجميع ومضى الى داره ليشاهد عائلته